انتقلت مصر من الدعم الخطابي للجيش السوداني إلى تمكينه فعليًا من مواصلة حربه، إذ يجسد مركز سري لتشغيل الطائرات المسيّرة على الأراضي المصرية مدى ارتباط الاستراتيجية الإقليمية للقاهرة ببقاء القوات المسلحة السودانية في مواجهة قوات الدعم السريع.

 

وترى كارلا ديفيز، الصحفية المقيمة في بروكسل والمهتمة بملفات السياسة الخارجية والشرق الأوسط وأفريقيا، أن القاهرة باتت أكثر انخراطًا في دعم الجيش السوداني، رغم استمرارها رسميًا في تقديم دورها باعتباره قائمًا على الوساطة والمساعدات الإنسانية وعدم التدخل.


اندلع القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، ومنذ ذلك الحين دأبت مصر على تأطير موقفها باعتباره دفاعًا عن «وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه»، وعن «مؤسساته الوطنية، ولا سيما القوات المسلحة السودانية». ويكرر رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي رسميًا تعهدات بـ«عدم التدخل»، مقدمًا الدور المصري باعتباره مقتصرًا على الوساطة وتقديم المساعدات الإنسانية واستضافة اللاجئين السودانيين.


لكن هذا الخط بدأ يتآكل تدريجيًا. فقد أفضت سنوات من المناورات المشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية وروابط التسليح بين الجيشين، منذ عام 2019، إلى بناء قدر كبير من قابلية التشغيل المشترك بينهما، قبل اندلاع الحرب الأهلية بسنوات. وعندما أسرت قوات الدعم السريع جنودًا مصريين في قاعدة مروي الجوية في أبريل 2023، بررت القاهرة وجودهم بأنهم كانوا يشاركون في تدريبات مقررة مسبقًا، وهي رواية لم يقتنع بها كثير من المراقبين الإقليميين.


قاعدة شرق العوينات تكشف انتقال القاهرة من الدعم الخفي إلى الانخراط العملياتي


سلط تحقيق أجرته نيويورك تايمز الضوء على قاعدة شرق العوينات في الصحراء الغربية المصرية، موضحًا التحول من الدعم غير المباشر إلى الانخراط العملياتي المباشر. وأظهرت صور الأقمار الصناعية وسجلات الرحلات الجوية ومقاطع الفيديو أن مدرجًا زراعيًا كان يستخدم في السابق لأغراض مدنية توسع منذ عام 2018، بإضافة مدرج ثانٍ وحظائر جديدة وروابط للأقمار الصناعية، قبل أن يستضيف بحلول عام 2025 طائرات مسيّرة قتالية تركية الصنع من طراز «أكنجي».


ووفقًا لمسؤولين أمريكيين وأوروبيين نقلت عنهم تلك التحقيقات، نفذت هذه المسيّرات، على مدار ستة أشهر على الأقل، غارات داخل السودان، واستهدفت مواقع تابعة لقوات الدعم السريع على مسافات تصل إلى مئات الأميال داخل الأراضي السودانية، بما في ذلك قوافل تتحرك على طرق الإمداد القادمة من ليبيا وتشاد.

 

وتتطابق المسيّرات وذخائرها مع الأنظمة التركية، لكنها تتمركز على الأراضي المصرية، فيما توفر غطاءً لأصول الجيش السوداني وتحميها من هجمات قوات الدعم السريع، الأمر الذي يطمس الحدود بين مجرد استضافة القاهرة لهذه العمليات وبين مشاركتها في توجيه الحملة العسكرية.


وتوفر قاعدة شرق العوينات للقاهرة قدرًا من الإنكار المعقول؛ إذ تجري العمليات داخل مشروع لاستصلاح الأراضي في منطقة صحراوية بعيدة عن الأنظار، لكنها قريبة بما يكفي من الحدود السودانية لتمكين مصر من إسقاط قوة جوية بصورة مستمرة. أما بالنسبة إلى الجيش السوداني، فتمثل القاعدة شريان حياة في حرب نجحت خلالها قوات الدعم السريع في الاستيلاء على قواعد عسكرية وإسقاط طائرات مسيّرة، في حين أفادت تقارير بخسارة عدد من طائرات «أكنجي» خلال الأشهر الأخيرة جراء نيران قوات الدعم السريع.


وتكشف بيانات قوات الدعم السريع وأدلة ميدانية أخرى عن عمق الدعم المصري. ففي يناير 2026، نشرت القوات ما وصفته بأنه دليل «لا يقبل الدحض» على الدور المصري المباشر، مستشهدة بذخائر ومركبات مدرعة مصرية الصنع، إلى جانب شهادات لقادة مرتبطين بالجيش السوداني اعتُقلوا خلال المعارك، تحدثوا فيها عن وصول أسلحة وتدريبات ودعم طبي عبر مصر.


لماذا تراهن القاهرة على الجيش السوداني؟


ترتكز مراهنة القاهرة على القوات المسلحة السودانية على اعتبارات أمنية صلبة ومنطق يتعلق ببقاء الأنظمة. ويرى الاستراتيجيون المصريون أن انهيار السودان يمثل تهديدًا وجوديًا، في ظل مخاوف من تدفقات جديدة للاجئين وتهريب الأسلحة عبر الحدود الجنوبية التي يصعب ضبطها. لكن السيطرة على مياه النيل تظل أكثر أهمية؛ فمنذ سقوط عمر البشير عام 2019، عززت القاهرة التنسيق الأمني والعسكري مع الخرطوم، في محاولة لإظهار جبهة موحدة في مواجهة سد النهضة الإثيوبي وحماية حصتها التاريخية من مياه النيل.


كما يجمع الطرفين قدر من التقارب الأيديولوجي. فاللواء عبد الفتاح البرهان ضابط محترف تربطه علاقات طويلة الأمد بقادة عسكريين مصريين، فيما يشبه مساره في الحكم المسار الذي سلكه السيسي من المؤسسة العسكرية إلى الرئاسة. وينسجم دعم القوات المسلحة السودانية مع نزعة مصرية راسخة للانحياز إلى الجيش النظامي السوداني «أيًا كان من يقوده»، وكذلك مع تفضيل أوسع للمؤسسات العسكرية المركزية القوية على التحولات المدنية المضطربة في العالم العربي.


رهان مصر على البرهان يزداد هشاشة


بحلول عام 2026، تبدو مراهنة مصر أكثر هشاشة. فقد أسفرت الحرب عن مقتل عشرات الآلاف، ونزوح أكثر من 14 مليون شخص، ودفع أجزاء من السودان إلى حافة المجاعة، بينما لم ينجح أي من طرفي الصراع في فرض سيطرة حاسمة. كما تواجه شرعية البرهان نزاعًا عميقًا؛ فقد قاد انقلاب عام 2021 الذي عرقل انتقالًا هشًا إلى الحكم المدني، بينما يرى كثير من القوى التي دفعت نحو انتفاضة 2018-2019 أنه يمثل استمرارًا للهيمنة العسكرية، وليس طريقًا نحو إجراء انتخابات.


وترفض القاهرة بصورة قاطعة قيام «كيانات موازية» أو حكومات بديلة في المنفى، مقدمة ذلك باعتباره دفاعًا عن وحدة السودان. لكن هذا الموقف يؤدي عمليًا إلى نزع الشرعية عن تحالفات مدنية واسعة تحاول التنظيم خارج الثنائية التي تفرضها القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. ومن خلال مساواة «المؤسسات الوطنية» في السودان بالقيادة العسكرية الحالية، تضيق مصر نطاق الأطراف المقبولة للتفاوض إلى مجلس عسكري تتراجع سيطرته على الأراضي كما يتراجع الدعم الشعبي له.


وفي الوقت نفسه، تسعى مصر إلى ترسيخ صورتها وسيطًا في الصراع، عبر أطر مثل «الرباعية»، ومن خلال استضافة مؤتمرات تجمع القوى المدنية والسياسية السودانية في القاهرة. لكن هذا الدور يتعارض مع التعهدات الصريحة بألا تكون القاهرة «متراخية أو متأخرة في دعم الحكومة السودانية الشرعية» بقيادة البرهان، فضلًا عن الأدلة المتزايدة على تنفيذ عمليات جوية مصرية انطلاقًا من الأراضي المصرية داخل الصراع السوداني.


وباتت القاعدة السرية في الصحراء، والطائرات المسيّرة التي تنطلق من مدارجها باتجاه الأجواء السودانية، رمزًا لسياسة تقول إنها قائمة على عدم التدخل، بينما تساعد عمليًا على إطالة أمد حرب مدمرة يجري نقل جزء متزايد من عملياتها إلى خارج الحدود السودانية.

 

https://moderndiplomacy.eu/2026/08/05/cairos-shadow-war-in-sudan-drones-borders-and-a-fading-army-ally/